تحديث آخر نسخة 1.8.37

تقييم الموضوع :
  • 0 أصوات - بمعدل 0
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
موسوعة قصص الأنبياء ،،
#11
(( إبراهيم عليه السلام ))

( الجزء الثالث والأخير )


هجرة إبراهيم عليه السلام:

انطلقت شهرة إبراهيم في المملكة كلها.
تحدث الناس عن معجزته ونجاته من النار، وتحدث الناس عن موقفه مع الملك
وكيف أخرس الملك فلم يعرف ماذا يقول.
واستمر إبراهيم في دعوته لله تعالى.
بذل جهده ليهدي قومه،
حاول إقناعهم بكل الوسائل،
ورغم حبه لهم وحرصه عليهم فقد غضب قومه وهجروه،
ولم يؤمن معه
من قومه سوى امرأة ورجل واحد. امرأة تسمى سارة،
وقد صارت فيما بعد زوجته، ورجل هو لوط،
وقد صار نبيا فيما بعد.
وحين أدرك إبراهيم أن أحدا لن يؤمن بدعوته.
قرر الهجرة.

قبل أن يهاجر، دعا والده للإيمان،
ثم تبين لإبراهيم أن والده عدو لله، وأنه لا ينوي الإيمان،
فتبرأ منه وقطع علاقته به.

للمرة الثانية في قصص الأنبياء نصادف هذه المفاجأة.
في قصة نوح كان الأب نبيا والابن كافرا،
وفي قصة إبراهيم كان الأب كافرا والابن نبيا،
وفي القصتين نرى المؤمن يعلن براءته من عدو الله رغم كونه ابنه أو والده،
وكأن الله يفهمنا من خلال القصة أن
العلاقة الوحيدة التي ينبغي أن تقوم عليها الروابط بين الناس،
هي علاقة الإيمان لا علاقة الميلاد والدم.

خرج إبراهيم عليه السلام من بلده وبدأ هجرته.
سافر إلى مدينة تدعى أور. ومدينة تسمى حاران.
ثم رحل إلى فلسطين ومعه زوجته، المرأة الوحيدة التي آمنت به.
وصحب معه لوطا.. الرجل الوحيد الذي آمن به.

بعد فلسطين ذهب إبراهيم إلى مصر.
وطوال هذا الوقت وخلال هذه الرحلات كلها،
كان يدعو الناس إلى عبادة الله، ويحارب في سبيله،
ويخدم الضعفاء والفقراء، ويعدل بين الناس،
ويهديهم إلى الحقيقة والحق.

وتأتي بعض الروايات لتبين قصة إبراهيم عليه السلام وزوجته
سارة وموقفهما مع ملك مصر.
فتقول:

وصلت الأخبار لملك مصر بوصول رجل
لمصر معه أمرأة هي أجمل نساء الأرض.
فطمع بها. وأرسل جنوده ليأتونه بهذه المرأة.
وأمرهم بأن يسألوا عن الرجل الذي معها،
فإن كان زوجها فليقتلوه.
فجاء الوحي لإبراهيم عليه السلام بذلك.
فقال إبراهيم -عليه السلام- لسارة إن سألوك عني فأنت أختي -أي أخته في الله-،
وقال لها ما على هذه الأرض مؤمن غيري وغيرك -
فكل أهل مصر كفرة، ليس فيها موحد لله عز وجل.
فجاء الجنود وسألوا إبراهيم: ما تكون هذه منك؟
قال: أختي.
لنقف هنا قليلا..
قال إبراهيم حينما قال لقومه
(إني سقيم) و (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوه) و (هي أختي).
كلها كلمات تحتمل التاويل. لكن مع هذا كان إبراهيم
عليه السلام خائفا جدا من حسابه على
هذه الكلمات يوم القايمة. فعندما يذهب البشر له يوقم القيامة
ليدعوا الله أن يبدأ الحساب يقول لهم لا
إني كذب على ربي ثلاث مرات.

ونجد أن البشر الآن يكذبون أمام الناس
من غير استحياء ولا خوف
من خالقهم.

لما عرفت سارة أن ملك مصر فاجر
ويريدها له أخذت تدعوا الله قائلة: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك
وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر.

فلما أدخلوها عليه. مد يده إليها
ليلمسها فشلّ وتجمدت يده في مكانها،
فبدأ بالصراخ لأنه لم يعد يستطيع تحريكها،
وجاء أعوانه لمساعدته
لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء.
فخافت سارة على نفسها أن يقتلوها بسبب ما فعلته بالملك. فقالت:
يا رب اتركه لا يقتلوني به. فاستجاب الله لدعائها.

لكن الملك لم يتب وظن
أن ما حدث كان أمرا عابرا وذهب.
فهجم عليها مرة أخرى. فشلّ مرة ثانية.
فقال: فكيني. فدعت الله تعالى فَفَكّه. فمد يده ثالثة فشلّ.
فقال: فكيني وأطلقك وأكرمك.
فدعت الله سبحانه وتعالى فَفُك. فصرخ الملك بأعوانه:
أبعدوها عني فإنكم لم تأتوني
بإنسان بل أتيتموني بشيطان.

فأطلقها وأعطاها شيئا من الذهب،
كما أعطاها أَمَةً اسمها "هاجر" .

هذه الرواية مشهورة عن
دخول إبراهيم -عليه السلام- لمصر.

وكانت زوجته سارة لا تلد. وكان
ملك مصر قد أهداها سيدة مصرية
لتكون في خدمتها، وكان إبراهيم قد صار شيخا،
وابيض شعره من خلال عمر أبيض أنفقه في الدعوة إلى الله،
وفكرت سارة إنها وإبراهيم وحيدان، وهي لا تنجب أولادا،
ماذا لو قدمت له السيدة المصرية لتكون زوجة لزوجها؟
وكان اسم المصرية "هاجر" . وهكذا زوجت سارة سيدنا إبراهيم من هاجر،
وولدت هاجر ابنها الأول فأطلق والده عليه اسم "إسماعيل
". كان إبراهيم شيخا حين
ولدت له هاجر أول أبنائه إسماعيل.

ولسنا نعرف أبعاد المسافات
التي قطعها إبراهيم في رحلته إلى الله.
كان دائما هو المسافر إلى الله.
سواء استقر به المقام في بيته أو حملته
خطواته سائحا في الأرض. مسافر إلى الله يعلم إنها أيام
على الأرض وبعدها
يجيء الموت ثم ينفخ في الصور وتقوم قيامة الأموات ويقع البعث.

إحياء الموتى:

ملأ اليوم الآخر قلب إبراهيم بالسلام والحب واليقين. وأراد أن يرى
يوما كيف يحيي الله عز وجل الموتى. حكى الله هذا الموقف
في سورة (البقرة).. قال تعالى:

{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي }

لا تكون هذه الرغبة في طمأنينة
القلب مع الإيمان إلا درجة من درجات الحب لله.

{ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

فعل إبراهيم ما أمره به الله. ذبح أربعة
من الطير وفرق أجزاءها على الجبال.
ودعاها باسم الله فنهض الريش يلحق بجناحه،
وبحثت الصدور عن رؤوسها، وتطايرت أجزاء الطير مندفعة
نحو الالتحام، والتقت الضلوع بالقلوب،
وسارعت الأجزاء الذبيحة للالتئام،
ودبت الحياة في الطير، وجاءت
طائرة مسرعة ترمي بنفسها في
أحضان إبراهيم. اعتقد بعض المفسرين
إن هذه التجربة كانت حب استطلاع من إبراهيم.
واعتقد بعضهم أنه أراد أن يرى يد ذي الجلال الخالق وهي تعمل،
فلم ير الأسلوب وإن رأى النتيجة. واعتقد بعض المفسرين أنه اكتفى
بما قاله له الله ولم يذبح الطير. ونعتقد أن هذه التجربة
كانت درجة من درجات الحب قطعها المسافر إلى الله. إبراهيم.


رحلة إبراهيم مع هاجر وإسماعيل لوادي مكة:

استيقظ إبراهيم يوما فأمر زوجته هاجر أن تحمل
ابنها وتستعد لرحلة طويلة. وبعد أيام بدأت
رحلة إبراهيم مع زوجته هاجر ومعهما ابنهما إسماعيل.
وكان الطفل رضيعا لم يفطم بعد.
وظل إبراهيم يسير وسط أرض
مزروعة تأتي بعدها صحراء تجيء بعدها جبال.
حتى دخل إلى صحراء الجزيرة العربية، وقصد إبراهيم
واديا ليس فيه زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا مياه ولا شراب.
كان الوادي يخلو تماما من علامات الحياة. وصل إبراهيم إلى الوادي،
وهبط من فوق ظهر دابته. وأنزل زوجته وابنه
وتركهما هناك، ترك معهما جرابا فيه بعض الطعام،
وقليلا من الماء. ثم استدار وتركهما وسار.

أسرعت خلفه زوجته وهي تقول له:
يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه شيء؟

لم يرد عليها سيدنا إبراهيم. ظل يسير. عادت تقول له
ما قالته وهو صامت. أخيرا فهمت أنه لا يتصرف
هكذا من نفسه. أدركت أن الله أمره بذلك وسألته:
هل الله أمرك بهذا؟
قال إبراهيم عليه السلام: نعم.

قالت زوجته المؤمنة العظيمة: لن نضيع ما دام الله معنا وهو الذي أمرك بهذا.
وسار إبراهيم حتى إذا أخفاه جبل عنهما
وقف ورفع يديه الكريمتين إلى السماء وراح يدعو الله:
(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) .

لم يكن بيت الله قد أعيد بناؤه بعد،
لم تكن الكعبة قد بنيت، وكانت هناك حكمة عليا في هذه التصرفات الغامضة،
فقد كان إسماعيل الطفل الذي ترك مع أمه في هذا المكان،
كان هذا الطفل هو الذي سيصير مسؤولا مع والده عن بناء الكعبة فيما بعد.
وكانت حكمة الله تقضي أن يمتد العمران إلى هذا الوادي،
وأن يقام فيه بيت الله الذي نتجه جميعا إليه أثناء الصلاة بوجوهنا.

ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع في الصحراء وعاد راجعا إلى كفاحه في دعوة الله.
أرضعت أم إسماعيل ابنها وأحست بالعطش.
كانت الشمس ملتهبة وساخنة وتثير الإحساس بالعطش.
بعد يومين انتهى الماء تماما، وجف لبن الأم.
وأحست هاجر وإسماعيل بالعطش.
. كان الطعام قد انتهى هو الآخر. وبدا الموقف صعبا وحرجا للغاية.
الرد
شكر من طرف :
#12
ماء زمزم:

بدأ إسماعيل يبكي من العطش. وتركته أمه وانطلقت تبحث عن ماء.
راحت تمشي مسرعة حتى وصلت إلى جبل اسمه "الصفا" .
فصعدت إليه وراحت تبحث بهما عن بئر أو إنسان أو قافلة.
لم يكن هناك شيء. ونزلت مسرعة من الصفا حتى إذا وصلت إلى الوادي
راحت تسعى سعي الإنسان المجهد حتى
جاوزت الوادي ووصلت إلى جبل "المروة" ،
فصعدت إليه ونظرت لترى أحدا لكنها لم تر أحدا.
وعادت الأم إلى طفلها فوجدته يبكي وقد اشتد عطشه.
وأسرعت إلى الصفا فوقفت عليه،
وهرولت إلى المروة فنظرت من فوقه.
وراحت تذهب وتجيء سبع مرات بين الجبلين الصغيرين.
سبع مرات وهي تذهب وتعود.
ولهذا يذهب الحجاج سبع مرات ويعودون بين الصفا والمروة إحياء
لذكريات أمهم الأولى ونبيهم العظيم إسماعيل.
عادت هاجر بعد المرة السابعة
وهي مجهدة متعبة تلهث.
وجلست بجوار ابنها الذي كان صوته قد بح
من البكاء والعطش.

وفي هذه اللحظة اليائسة أدركتها رحمة الله،
وضرب إسماعيل بقدمه الأرض وهو يبكي
فانفجرت تحت قدمه بئر زمزم. وفار الماء من البئر. أنقذت
حياتا الطفل والأم. راحت الأم تغرف بيدها وهي تشكر الله.
وشربت وسقت طفلها وبدأت الحياة تدب في المنطقة.
صدق ظنها حين قالت: لن نضيع ما دام الله معنا.

وبدأت بعض القوافل تستقر في المنطقة.
وجذب الماء الذي انفجر من بئر زمزم عديدا من الناس.
وبدأ العمران يبسط أجنحته على المكان.

الأمر بذبح إسماعيل عليه السلام:

كبر إسماعيل.. وتعلق به قلب إبراهيم..
جاءه العقب على كبر فأحبه.. وابتلى الله تعالى إبراهيم بلاء عظيما بسبب هذا الحب.
فقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه الوحيد إسماعيل.
وإبراهيم يعمل أن رؤيا الأنبياء وحي.

انظر كيف يختبر الله عباده. تأمل أي نوع من أنواع الاختبار.
نحن أمام نبي قلبه أرحم قلب في الأرض. اتسع قلبه لحب الله
وحب من خلق. جاءه ابن على كبر.. وقد طعن هو في السن ولا أمل هناك في أن ينجب.
ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام
أنه يذبح ابنه وبكره ووحيده الذي
ليس له غيره.

أي نوع من الصراع نشب في نفسه.
يخطئ من يظن أن صراعا لم ينشأ قط.
لا يكون بلاء مبينا هذا الموقف الذي يخلو من الصراع.
نشب الصراع في نفس إبراهيم.. صراع أثارته عاطفة الأبوة الحانية.
لكن إبراهيم لم يسأل عن السبب وراء ذبح ابنه.
فليس إبراهيم من يسأل ربه عن أوامره.

فكر إبراهيم في ولده.. ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذبحه..
الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه
وأهون عليه من أن يأخذه قهرا ويذبحه قهرا. هذا أفضل.. ا
نتهى الأمر وذهب إلى ولده
(قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) .
انظر إلى تلطفه في إبلاغ ولده، وترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة..
إن الأمر مقضي في نظر إبراهيم لأنه وحي من ربه..
فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ أجاب إسماعيل: هذا أمر يا أبي فبادر بتنفيذه
(يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) .
تأمل رد الابن.. إنسان يعرف أنه سيذبح
فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن
والده أنه سيجده (إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). هو الصبر على أي حال وعلى كل حال..
وربما استعذب الابن أن يموت ذبحا بأمر من الله..
ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنه ينافسه في حب الله.
لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس إبراهيم بعد
استسلام ابنه الصابر.

ينقلنا الحق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل راقد على الأرض،
وجهه في الأرض رحمة به كيلا يرى نفسه وهو يذبح.
وإذا إبراهيم يرفع يده بالسكين.. وإذا أمر الله مطاع.
(فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن هذا التعبير..
(فَلَمَّا أَسْلَمَا) هذا هو الإسلام الحقيقي..
تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء.

عندئذ فقط.. وفي اللحظة التي
كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء أمره.. نادى الله إبراهيم..
انتهى اختباره، وفدى الله إسماعيل بذبح عظيم -
وصار اليوم عيدا لقوم لم يولدوا بعد، هم
المسلمون. صارت هذه اللحظات عيدا للمسلمين.
عيدا يذكرهم بمعنى الإسلام الحقيقي الذي كان عليه
إبراهيم وإسماعيل.

ومضت قصة إبراهيم. ترك ولده إسماعيل
وعاد يضرب في أرض الله داعيا إليه،
خليلا له وحده. ومرت الأيام. كان إبراهيم قد هاجر من أرض الكلدانيين
مسقط رأسه في العراق وعبر الأردن وسكن
في أرض كنعان في البادية. ولم يكن إبراهيم ينسى خلال
دعوته إلى الله أن يسأل عن أخبار لوط مع قومه، وكان لوط أول من آمن
به، وقد أثابه الله بأن بعثه نبيا إلى قوم من الفاجرين العصاة.


البشرى بإسحاق:

كان إبراهيم جالس لوحده. في هذه اللحظة، هبطت على الأرض أقدام ثلاثة
من الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل.
يتشكلون في صور بشرية من الجمال الخارق.
ساروا صامتين. مهمتهم مزودجة. المرور على
إبراهيم وتبشيره. ثم زيارة قوم لوط ووضع حد لجرائمهم.

سار الملائكة الثلاثة قليلا. ألقى أحدهم حصاة أمام إبراهيم.
رفع إبراهيم رأسه.. تأمل وجوههم.. لا يعرف أحدا فيهم.
بادروه بالتحية. قالوا: سلاما. قال: سلام.

نهض إبراهيم ورحب بهم. أدخلهم بيته
وهو يظن أنهم ضيوف وغرباء. أجلسهم
واطمأن أنهم قد اطمأنوا، ثم استأذن وخرج. راغ إلى أهله.

نهضت زوجته سارة حين دخل عليها.
كانت عجوزا قد ابيض شعرها ولم يعد يتوهج بالشباب فيها غير
وميض الإيمان الذي يطل من عينيها.

قال إبراهيم لزوجته: زارنا ثلاثة غرباء.

سألته: من يكونون؟

قال: لا أعرف أحدا فيهم. وجوه غريبة على المكان.
لا ريب أنهم من مكان بعيد، غير أن ملابسهم لا تشي
بالسفر الطويل. أي طعام جاهز لدينا؟

قالت: نصف شاة.

قال وهو يهم بالانصراف: نصف شاة.. اذبحي لهم عجلا سمينا.
هم ضيوف وغرباء. ليست معهم دواب أو أحمال أو طعام.
ربما كانوا جوعى وربما كانوا فقراء.

اختار إبراهيم عجلا سمينا وأمر بذبحه، فذكروا عليه اسم الله
وذبحوه. وبدأ شواء العجل على الحجارة الساخنة.
وأعدت المائدة. ودعا إبراهيم ضيوفه إلى الطعام.
أشار إبراهيم بيده أن يتفضلوا باسم الله،
وبدأ هو يأكل ليشجعهم. كان إبراهيم كريما يعرف أن الله لا يتخلى عن الكرماء
وربما لم يكن في بيته غير هذا العجل،
وضيوفه ثلاثة ونصف شاة يكفيهم ويزيد،
غير أنه كان سيدا عظيم الكرم.
راح إبراهيم يأكل ثم استرق النظر إلى ضيوفه ليطمئن أنهم يأكلون.
لاحظ أن أحدا لا يمد يده إلى الطعام. قرب إليهم الطعام وقال: ألا تأكلون؟
عاد إلى طعامه ثم اختلس إليهم نظرة فوجدهم لا يأكلون..
رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام. عندئذ (أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) .
في تقاليد البادية التي عاش فيها إبراهيم،
كان معنى امتناع الضيوف
عن الأكل أنهم يقصدون شرا بصاحب البيت.

ولاحظ إبراهيم بينه وبين نفسه أكثر من ملاحظة تؤيد غرابة ضيوفه.
لاحظ أنهم دخلوا عليه فجأة. لم يرهم إلا وهم عند رأسه.
لم يكن معهم دواب تحملهم، لم تكن معهم أحمال.
وجوههم غريبة تماما عليه. كانوا مسافرين وليس عليهم أثر لتراب السفر.
ثم ها هو ذا يدعوهم إلى طعامه فيجلسون
إلى المائدة ولا يأكلون. ازداد خوف إبراهيم.

كان الملائكة يقرءون أفكاره التي تدور في نفسه،
دون أن يشي بها وجهه. قال له أحد الملائكة: (لاَ تَخَفْ) .
رفع إبراهيم رأسه وقال بصدق عظيم وبراءة: اعترف إنني خائف.
لقد دعوتكم إلى الطعام ورحبت بكم، ولكنكم لا تمدون أيديكم إليه..
هل تنوون بي شرا؟

ابتسم أحد الملائكة وقال: نحن لا نأكل يا إبراهيم..
نحن ملائكة الله.. وقد (أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)

ضحكت زوجة إبراهيم..
كانت قائمة تتابع الحوار بين زوجها وبينهم، فضحكت.

التفت إليها أحد الملائكة وبشرها بإسحاق.

صكت العجوز وجهها تعجبا:

{ قَالَت يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)} (هود)

عاد أحد الملائكة يقول لها:

{ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ }

جاشت المشاعر في قلب إبراهيم وزوجته.
شف جو الحجرة وانسحب خوف إبراهيم واحتل قلبه نوع من أنواع الفرح الغريب المختلط.
كانت زوجته العاقر تقف هي الأخرى وهي ترتجف.
إن بشارة الملائكة تهز روحها هزا عميقا.
إنها عجوز عقيم وزوجها شيخ كبير. كيف؟! كيف يمكن؟!

وسط هذا الجو الندي المضطرب تساءل إبراهيم:

{ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54)} (الحجر)

أكان يريد أن يسمع البشارة مرة أخرى؟ أكان يريد أن يطمئن قلبه
ويسمع للمرة الثانية منة الله عليه؟ أكان ما بنفسه شعورا
بشريا يريد أن يستوثق؟ ويهتز بالفرح مرتين بدلا من مرة واحدة؟
أكد له الملائكة أنهم بشروه بالحق.

{ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (55)} (الحجر)

{ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ (56)} (الحجر)

لم يفهم الملائكة إحساسه البشري، فنوه عن أن يكون من القانطين،
وأفهمهم أنه ليس قانطا.. إنما هو الفرح.

لم تكن البشرى شيئا بسيطا في حياة إبراهيم وزوجته.
لم يكن لإبراهيم غير ولد واحد هو إسماعيل، تركه
هناك بعيدا في الجزيرة العربية.
ولم تكن زوجته سارة قد أنجبت خلال عشرتها الطويلة لإبراهيم،
وهي التي زوجته من جاريتها هاجر. ومن هاجر جاء إسماعيل.
أما سارة، فلم يكن لها ولد. وكان حنينها إلى الولد عظيما،
لم يطفئ مرور الأيام من توهجه. ثم دخلت شيخوختها واحتضر حلمها ومات.
كانت تقول: إنها مشيئة الله عز وجل.

هكذا أراد الله لها. وهكذا أراد لزوجها.
ثم ها هي ذي في مغيب العمر تتلقى البشارة. ستلد غلاما.
ليس هذا فحسب، بشرتها الملائكة
بأن ابنها سيكون له ولد تشهد مولده وتشهد حياته.
لقد صبرت طويلا ثم يئست ثم نسيت.
ثم يجيء جزاء الله مفاجأة تمحو هذا كله في لحظة.

فاضت دموعها وهي تقف.
وأحس إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإحساس محير.
جاشت نفسه بمشاعر الرحمة والقرب، وعاد يحس بأنه إزاء نعمة
لا يعرف كيف يوفيها حقها من الشكر.
وخرّ إبراهيم ساجدا على وجهه.
الرد
شكر من طرف :
#13
انتهى الأمر واستقرت البشرى في ذهنيهما معا.
نهض إبراهيم من سجوده وقد ذهب عنه خوفه،
واطمأنت حيرته، وغادره الروع، وسكنت قلبه البشرى التي حملوها إليه.
وتذكر أنهم أرسلوا إلى قوم لوط.
ولوط ابن أخيه النازح معه من مسقط رأسه،
والساكن على مقربة منه. وإبراهيم يعرف معنى إرسال الملائكة إلى لوط وقومه.
هذا معناه وقوع عذاب مروع.
وطبيعة إبراهيم الرحيمة الودودة لا تجعله يطيق هلاك قوم في تسليم.
ربما رجع قوم لوط وأقلعوا وأسلموا أجابوا رسولهم.

وبدأ إبراهيم يجادل الملائكة في قوم لوط.
حدثهم عن احتمال إيمانهم ورجوعهم عن طريق الفجور،
وأفهمه الملائكة أن هؤلاء قوم مجرمون.
وأن مهمتهم هي إرسال حجارة من طين مسومة من عند ربك للمسرفين.
وعاد إبراهيم، بعد أن سد الملائكة باب هذا الحوار،
عاد يحدثهم عن المؤمنين من قوم لوط.
فقالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. ثم أفهموه أن الأمر قد قضي.
وإن مشيئة الله تبارك وتعالى قد اقتضت نفاذ الأمر وهلاك قوم لوط.
أفهموا إبراهيم أن عليه أن يعرض عن هذا الحوار.
ليوفر حلمه ورحمته. لقد جاء أمر ربه.
وتقرر عليهم (عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) عذاب لن يرده جدال إبراهيم.
كانت كلمة الملائكة إيذانا بنهاية الجدال..
سكت إبراهيم.
وتوجهت الملائكة لقوم لوط عليه السلام.
الرد
شكر من طرف :
#14
(( لوط عليه السلام ))

نبذة:

أرسله الله ليهدي قومه ويدعوهم إلى عبادة الله،
وكانوا قوما ظالمين يأتون الفواحش ويعتدون على الغرباء
وكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء فلما
دعاهم لوط لترك المنكرات أرادوا أن يخرجوه هو وقومه فلم يؤمن به
غير بعض من آل بيته، أما امرأته فلم تؤمن ولما يئس لوط دعا الله أن ينجيهم
ويهلك المفسدين فجاءت له الملائكة وأخرجوا
لوط ومن آمن به وأهلكوا الآخرين بحجارة مسومة.


سيرته:

حال قوم لوط:

دعى لوط قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم
عن كسب السيئات والفواحش. واصطدمت دعوته بقلوب
قاسية وأهواء مريضة ورفض متكبر.
وحكموا على لوط وأهله بالطرد من القرية. فقد كان القوم
الذين بعث إليهم لوط يرتكبون عددا كبيرا من الجرائم البشعة.
كانوا يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويتواصون بالإثم،
ولا يتناهون عن منكر، وقد زادوا في سجل جرائمهم جريمة لم يسبقهم
بها أحد من العالمين. كانوا يأتون الرجال شهوة
من دون النساء.

لقد اختلت المقاييس عند قوم لوط..
فصار الرجال أهدافا مرغوبة بدلا من النساء،
وصار النقاء والطهر جريمة تستوجب الطرد..
كانوا مرضى يرفضون الشفاء ويقاومونه.. ولقد كانت تصرفات قوم لوط تحزن قلب لوط..
كانوا يرتكبون جريمتهم علانية في ناديهم..
وكانوا إذا دخل المدينة غريب أو مسافر أو ضيف لم ينقذه من أيديهم أحد.
. وكانوا يقولون للوط: استضف أنت النساء ودع لنا الرجال..
واستطارت شهرتهم الوبيلة، وجاهد
هم لوط جهادا عظيما، وأقام عليهم حجته، ومرت الأيام والشهور والسنوات،
وهو ماض في دعوته بغير أن يؤمن له أحد..
لم يؤمن به غير أهل بيته..
حتى أهل بيته لم يؤمنوا به جميعا.
كانت زوجته كافرة.

وزاد الأمر بأن قام الكفرة بالاستهزاء
برسالة لوط عليه السلام، فكانوا يقولون:
(ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) .
فيئس لوط منهم، ودعا الله أن ينصره
ويهلك المفسدين.


ذهاب الملائكة لقوم لوط:

خرج الملائكة من عند إبراهيم قاصدين قرية لوط..
بلغوا أسوار سدوم.. وابنة لوط واقفة تملأ وعاءها من مياه النهر..
رفعت وجهها فشاهدتهم.. فسألها أحد الملائكة:
يا جارية.. هل من منزل؟


قالت [وهي تذكر قومها]: مكانكم لا تدخلوا حتى
أخبر أبي وآتيكم.. أسرعت نحو أبيها فأخبرته.
فهرع لوط يجري نحو الغرباء. فلم يكد يراهم
حتى (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)
سألهم: من أين جاءوا؟ .. وما هي وجهتهم؟.. فصمتوا عن إجابته.
وسألوه أن يضيفهم.. استحى منهم وسار أمامهم
قليلا ثم توقف والتفت إليهم يقول: لا أعلم على
وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد.


قال كلمته ليصرفهم عن المبيت في القرية،
غير أنهم غضوا النظر عن قوله ولم يعلقوا عليه،
وعاد يسير معهم ويلوي عنق الحديث
ويقسره قسرا ويمضي به إلى أهل القرية -
حدثهم أنهم خبثاء.. أنهم يخزون ضيوفهم..
حدثهم أنهم يفسدون في الأرض.
وكان الصراع يجري داخله محاولا التوفيق
بين أمرين.. صرف ضيوفه عن المبيت في القرية
دون إحراجهم، وبغير إخلال بكرم الضيافة..
عبثا حاول إفهامهم والتلميح لهم أن يستمروا في رحلتهم،
دون نزول بهذه القرية.

سقط الليل على المدينة.. صحب لوط ضيوفه إلى بيته..
لم يرهم من أهل المدينة أحد..
لم تكد زوجته تشهد الضيوف حتى تسللت خارجة بغير أن تشعره.
أسرعت إلى قومها وأخبرتهم الخبر..
وانتشر الخبر مثل النار في الهشيم.
وجاء قوم لوط له مسرعين..
تساءل لوط بينه وبين نفسه: من الذي أخبرهم؟..
وقف القوم على باب البيت.. خرج إليهم لوط متعلقا بأمل أخير،
وبدأ بوعظهم:

(هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) ..
قال لهم: أمامكم النساء -
زوجاتكم- هن أطهر.. فهن يلبين الفطرة السوية..
كما أن الخالق -جلّ في علاه-
قد هيّئهن لهذا الأمر.

(فَاتَّقُواْ اللّهَ) .. يلمس نفوسهم من جانب التقوى بعد أن لمسها من جانب الفطرة..
اتقوا الله وتذكروا أن الله يسمع ويرى..
ويغضب ويعاقب وأجدر بالعقلاء اتقاء غضبه.

(وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) ..
هي محاولة يائسة لِلَمْس نخوتهم وتقاليدهم.
و ينبغي عليهم إكرام الضيف لا فضحه.

(أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ) .. أليس فيكم رجل عاقل؟..
إن ما تريدونه -لو تحقق- هو عين الجنون.

إلا أن كلمات لوط عليه السلام لم تلمس الفطرة المنحرفة المريضة،
ولا القلب الجامد الميت، ولا العقل المريض الأحمق..
ظلت الفورة الشاذة على اندفاعها.

أحس لوط بضعفه وهو غريب بين القوم.. نازح إليهم من
بعيد بغير عشيرة تحميه، ولا أولاد ذكور يدافعون عنه..
دخل لوط غاضبا وأغلق باب بيته..
كان الغرباء الذين استضافهم يجلسون هادئين صامتين..
فدهش لوط من هدوئهم.. وازدادت ضربات القوم على الباب..
وصرخ لوط في لحظة يأس خانق:
(قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)
تمنى أن تكون له قوة تصدهم عن ضيفه..
وتمنى لو كان له ركن شديد يحتمي فيه ويأوي إليه..
غاب عن لوط في شدته وكربته أنه يأوي إلى ركن شديد..
ركن الله الذي لا يتخلى عن أنبيائه وأوليائه..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ هذه الآية:
"رحمة الله على لوط.. كان يأوي إلى ركن شديد" .

هلاك قوم لوط:

عندما بلغ الضيق ذروته.. وقال النبي كلمته..
تحرك ضيوفه ونهضوا فجأة.. أفهموه أنه يأوي إلى ركن شديد..
فقالوا له لا تجزع يا لوط ولا تخف.. نحن ملائكة..
ولن يصل إليك هؤلاء القوم.. ثم نهض جبريل، عليه السلام،
وأشار بيده إشارة سريعة، ففقد القوم أبصارهم.

التفتت الملائكة إلى
لوط وأصدروا إليه أمرهم أن يصحب أهله أثناء الليل ويخرج..
سيسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال.. لا يلتفت منهم أحد..
كي لا يصيبه ما يصيب القوم.. أي عذاب هذا؟..
هو عذاب من نوع غريب، يكفي لوقوعه بالمرء مجرد النظر إليه..
أفهموه أن امرأته كانت من الغابرين..
امرأته كافرة مثلهم وستلتفت خلفها فيصيبها ما أصابهم.

سأل لوط الملائكة: أينزل الله العذاب بهم الآن..
أنبئوه أن موعدهم مع العذاب هو الصبح..
(أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) ؟

خرج لوط مع بناته وزوجته.. ساروا في الليل وغذوا السير..
واقترب الصبح.. كان لوط قد ابتعد مع أهله.. ثم جاء أمر الله تعالى..
قال العلماء: اقتلع جبريل، عليه السلام، بطرف جناحه مدنهم السبع من قرارها البعيد..
رفعها جميعا إلى عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات
ديكتهم ونباح كلابهم، قلب المدن السبع وهوى بها في الأرض..
أثناء السقوط كانت السماء تمطرهم
بحجارة من الجحيم.. حجارة صلبة قوية يتبع بعضها بعضا،
ومعلمة بأسمائهم، ومقدرة عليهم.. استمر الجحيم
يمطرهم.. وانتهى قوم لوط تماما.. لم يعد هناك أحد..
نكست المدن على رؤوسها، وغارت في الأرض،
حتى انفجر الماء من الأرض.. هلك قوم لوط ومحيت مدنهم.

كان لوط يسمع أصوات مروعة.. وكان يحاذر أن يلتفت خلفه..
نظرت زوجته نحو مصدر الصوت فانتهت.. تهرأ جسدها وتفتت
مثل عمود ساقط من الملح.

قال العلماء: إن مكان المدن السبع.. بحيرة غريبة..
ماؤها أجاج.. وكثافة الماء أعظم من كثافة مياه البحر الملحة..
وفي هذه البحيرة صخور معدنية ذائبة..
توحي بأن هذه الحجارة التي ضرب بها قوم
لوط كانت شهبا مشعلة. يقال إن البحيرة الحالية
التي نعرفها باسم "البحر الميت" في فلسطين..
هي مدن قوم لوط السابقة.

انطوت صفحة قوم لوط.. انمحت مدنهم وأسمائهم من الأرض..
سقطوا من ذاكرة الحياة والأحياء..
وطويت صفحة من صفحات الفساد..
وتوجه لوط إلى إبراهيم.. زار إبراهيم وقص عليه نبأ قومه..
وأدهشه أن إبراهيم كان يعلم.. ومضى لوط في دعوته إلى الله..
مثلما مضى الحليم الأواه المنيب إبراهيم في دعوته إلى الله..
مضى الاثنان ينشران الإسلام في الأرض.
الرد
شكر من طرف :
#15
(( إسماعيل عليه السلام ))

نبذة:

هو ابن إبراهيم البكر وولد السيدة هاجر،
سار إبراهيم بهاجر - بأمر من الله - حتى وضعها وابنها في موضع
مكة وتركهما ومعهما قليل من الماء والتمر ولما نفد الزاد جعلت
السيدة هاجر تطوف هنا وهناك حتى هداها الله إلى ماء
زمزم ووفد عليها كثير من الناس حتى
جاء أمر الله لسيدنا إبراهيم ببناء الكعبة ورفع قواعد البيت،
فجعل إسماعيل يأتي بالحجر وإبراهيم يبني
حتى أتما البناء ثم جاء أمر الله بذبح إسماعيل
حيث رأى إبراهيم في منامه أنه يذبح ابنه فعرض عليه ذلك فقال
"يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين"
ففداه الله بذبح عظيم، كان إسماعيل فارسا فهو أول من استأنس
الخيل وكان صبورا حليما، يقال إنه أول من تحدث
بالعربية البينة وكان صادق الوعد، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة،
وكان ينادي بعبادة الله ووحدانيته.


سيرته:

الاختبار الأول:

ذكر الله في كتابه الكريم، ثلاث مشاهد من حياة إسماعيل عليه السلام.
كل مشهد عبارة عن محنة واختبار لكل من إبراهيم
وإسماعيل عليهما السلام. أول هذه المشاهد هو أمر الله سبحانه
وتعالى [لإبراهيم بترك إسماعيل وأمه في واد مقفر،
لا ماء فيه ولا طعام. فما كان منإبراهيم عليه السلام إلا الاستجابة
لهذا الأمر الرباني. وهذا بخلاف ما ورد في الإسرائيليات
من أن إبراهيم حمل ابنه وزوجته لوادي مكة لأن سارة -
زوجة إبراهيم الأولى- اضطرته لذلك من شدة غيرتها
من هاجر. فالمتأمل لسيرة إبراهيم عليه ا
لسلام، سيجد أنه لم يكن ليتلقّى أوامره
من أحد غير الله.

أنزل زوجته وابنه وتركهما هناك،
ترك معهما جرابا فيه بعض الطعام، وقليلا من الماء.
ثم استدار وتركهما وسار.

أسرعت خلفه زوجته وهي تقول له:
يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه شيء؟

لم يرد عليها سيدنا إبراهيم وظل يسير..
عادت تقول له ما قالته وهو صامت..
أخيرا فهمت أنه لا يتصرف هكذا من نفسه..
أدركت أن الله أمره بذلك فسألته: هل الله أمرك بهذا؟

فقال إبراهيم عليه السلام: نعم.

قالت زوجته المؤمنة العظيمة: لن نضيع ما دام الله
معنا وهو الذي أمرك بهذا.

وسار إبراهيم حتى إذا أخفاه جبل عنهما وقف ورفع
يديه الكريمتين إلى السماء وراح يدعو الله:

{ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا
لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)} (إبراهيم)

لم يكن بيت الله قد أعيد بناؤه بعد، لم تكن الكعبة
قد بنيت، وكانت هناك حكمة عليا في أمر الله سبحانه لإبراهيم،
فقد كان إسماعيل -الطفل الذي تُرِكَ مع أمه في هذا المكان-
ووالده من سيكونان المسؤولان بناء الكعبة فيما بعد..
وكانت حكمة الله تقضي أن يسكن أحد في هذا الوادي،
لميتد إليه العمران.

بعد أن ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع في الصحراء
بأيام نفد الماء وانتهى الطعام، وجف لبن الأم.. وأحست
هاجر وإسماعيل بالعطش.

بدأ إسماعيل يبكي من العطش..
فتركته أمه وانطلقت تبحث عن ماء..
راحت تمشي مسرعة حتى وصلت
إلى جبل اسمه "الصفا" ..
فصعدت إليه وراحت تبحث به عن بئر أو إنسان أو قافلة..
لم يكن هناك شيء. ونزلت مسرعة
من الصفا حتى إذا وصلت إلى الوادي راحت تسعى سعي الإنسان المجه
د حتى جاوزت الوادي ووصلت إلى جبل "المروة" ،
فصعدت إليه ونظرت لترى أحدا لكنها لم
تر أحدا. وعادت الأم إلى طفلها فوجدته يبكي وقد اشتد عطشه..
وأسرعت إلى الصفا فوقفت عليه، وهرولت إلى المروة فنظرت من فوقه..
وراحت تذهب وتجيء سبع مرات بين الجبلين الصغيرين..
سبع مرات وهي تذهب وتعود - ولهذا يذهب الحجاج
سبع مرات ويعودون بين الصفا والمروة إحياء لذكريات أمهم الأولى
ونبيهم العظيم إسماعيل. عادت هاجر بعد المرة السابعة
وهي مجهدة متعبة تلهث.. وجلست بجوار ابنها الذي كان صوته
قد بح من البكاء والعطش.

وفي هذه اللحظة اليائسة أدركتها رحمة الله،
وضرب إسماعيل بقدمه الأرض وهو يبكي
فانفجرت تحت قدمه بئر زمزم.. وفار الماء من البئر..
أنقذت حياتا الطفل والأم.. راحت الأم تغرف بيدها
وهي تشكر الله.. وشربت وسقت طفلها وبدأت الحياة تدب في المنطقة..
صدق ظنها حين قالت: لن نضيع ما دام الله معنا.

وبدأت بعض القوافل تستقر في المنطقة..
وجذب الماء الذي انفجر من بئر زمزم عديدا من الناس..
وبدأ العمران يبسط أجنحته على المكان.

كانت هذه هي المحنة الاولى.. أما المحنة الثانية فهي الذبح
الرد
شكر من طرف :
#16
الاختبار الثاني:

كبر إسماعيل.. وتعلق به قلب إبراهيم.. جاءه العقب على كبر فأحبه..
وابتلى الله تعالى إبراهيم بلاء عظيما بسبب هذا الحب.
فقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه
يذبح ابنه الوحيد إسماعيل.
وإبراهيم يعمل أن رؤيا الأنبياء وحي.

انظر كيف يختبر الله عباده. تأمل أي نوع من أنواع الاختبار.
نحن أمام نبي قلبه أرحم قلب في الأرض.
اتسع قلبه لحب الله وحب من خلق. جاءه ابن على كبر..
وقد طعن هو في السن ولا أمل هناك في أن ينجب.
ثم ها هو ذا يستسلم للنوم
فيرى في المنام أنه يذبح ابنه وبكره ووحيده الذي ليس
له غيره.

أي نوع من الصراع نشب في نفسه.
يخطئ من يظن أن صراعا لم ينشأ قط.
لا يكون بلاء مبينا هذا الموقف الذي يخلو من الصراع.
نشب الصراع في نفس إبراهيم..
صراع أثارته عاطفة الأبوة الحانية. لكن إبراهيم لم يسأل
عن السبب وراء ذبح ابنه.
فليس إبراهيم من يسأل ربه عن أوامره.

فكر إبراهيم في ولده.. ماذا يقول عنه
إذا أرقده على الأرض ليذبحه.. الأفضل أن
يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهون عليه
من أن يأخذه قهرا ويذبحه قهرا. هذا أفضل.. انتهى الأمر وذهب إلى
ولده (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) .
انظر إلى تلطفه في إبلاغ ولده، وترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة..
إن الأمر مقضي في نظر إبراهيم لأنه وحي من ربه..
فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ أجاب
إسماعيل: هذا أمر يا أبي فبادر بتنفيذه
(يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)
تأمل رد الابن.
. إنسان يعرف أنه
سيذبح فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن
والده أنه سيجده (إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).
هو الصبر على أي حال وعلى كل حال..
وربما استعذب الابن أن يموت ذبحا بأمر من الله..
ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنه ينافسه في حب الله.
لا نعرف أي مشاعر جاشت في
نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر.


ينقلنا الحق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل
راقد على الأرض، وجهه في الأرض رحمة به كيلا يرى نفسه وهو يذبح.
وإذا إبراهيم يرفع يده بالسكين.. وإذا أمر الله مطاع.
(فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن هذا التعبير..
(فَلَمَّا أَسْلَمَا) هذا هو الإسلام الحقيقي..
تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء.

عندئذ فقط.. وفي اللحظة التي كان السكين
فيها يتهيأ لإمضاء أمره.. نادى الله إبراهيم..
انتهى اختباره، وفدى الله إسماعيل بذبح عظيم -
وصار اليوم عيدا لقوم لم يولدوا بعد، هم المسلمون.
صارت هذه اللحظات عيدا للمسلمين.
عيدا يذكرهم بمعنى الإسلام الحقيقي الذي
كان عليه إبراهيم وإسماعيل.

خبر زوجة إسماعيل:

عاش إسماعيل في
شبه الجزيرة العربية ما شاء الله له أن يعيش..
روض الخيل واستأنسها واستخدمها، وساعدت مياه زمزم
على سكنى المنطقة وتعميرها. استقرت بها بعض القوافل..
عن عيشهم وحالهم، فشكت إليه من الضيق والشدة.

قال لها إبراهيم: إذا جاء زوجك مريه أن يغير عتبة بابه.. فلما جاء إسماعيل،
ووصفت له زوجته الرجل.. قال: هذا أبي وهو يأمرني
بفراقك.. الحقي بأهلك.

وتزوج إسماعيل امرأة ثانية.. زارها إبراهيم،
يسألها عن حالها، فحدثته أنهم في نعمة وخير..
وطاب صدر إبراهيم بهذه الزوجة لابنه.


الاختبار الثالث:

وها نحن الآن أمام الاختبار الثالث..
اختبار لا يمس إبراهيم وإسماعيل فقط.
بل يمس ملايين البشر من بعدهم إلى
يوم القيامة.. إنها مهمة أوكلها الله تعالى
لهذين النبيين الكريمين..
مهمة بناء بيت الله تعالى في الأرض.

كبر إسماعيل.. وبلغ أشده..
وجاءه إبراهيم وقال له: يا إسماعيل.. إن الله أمرني بأمر.
قال إسماعيل: فاصنع ما أمرك به ربك.. قال إبراهيم: وتعينني؟
قال: وأعينك. فقال إبراهيم: فإن الله أمرني أن ابني هنا بيتا.
أشار بيده لصحن منخفض هناك.

صدر الأمر ببناء بيت الله الحرام.. هو أول بيت وضع للناس في الأرض..
وهو أول بيت عبد فيه الإنسان ربه..
ولما كان آدم هو أول إنسان هبط إلى الأرض..
فإليه يرجع فضل بنائه أول مرة..
قال العلماء: إن آدم بناه وراح يطوف حوله مثلما يطوف الملائكة
حول عرش الله تعالى.

بنى آدم خيمة يعبد فيها الله.. شيء
طبيعي أن يبني آدم -بوصفه نبيا- بيتا لعبادة ربه..
وحفت الرحمة بهذا المكان.. ثم مات آدم ومرت القرون،
وطال عليه العهد فضاع أثر البيت وخفي مكانه.. وها هو ذا إبراهيم يتلقى
الأمر ببنائه مرة ثانية.. ليظل في المرة الثانية قائما إلى يوم القيامة إن شاء الله.
وبدأ بناء الكعبة..

هدمت الكعبة في التاريخ أكثر من مرة،
وكان بناؤها يعاد في كل مرة..
فهي باقية منذ عهد إبراهيم إلى اليوم..
وحين بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
تحقيقا لدعوة إبراهيم.. وجد الرسول الكعبة
حيث بنيت آخر مرة، وقد قصر الجهد بمن بناها فلم
يحفر أساسها كما حفره إبراهيم.

نفهم من هذا إن إبراهيم وإسماعيل بذلا فيها
وحدهما جهدا استحالت -بعد ذلك- محاكاته
على عدد كبير من الرجال..
ولقد صرح الرسول
بأنه يحب هدمها وإعادتها إلى أساس إبراهيم،
لولا قرب عهد القوم بالجاهلية، وخشيته أن يفتن الناس هدمها وبناؤها من جديد..
بناؤها بحيث تصل إلى قواعد إبراهيم وإسماعيل.

أي جهد شاق بذله النبيان الكريمان
وحدهما؟ كان عليهما حفر الأساس لعمق غائر في الأرض،
وكان عليهما قطع الحجارة من الجبال البعيدة والقريبة،
ونقلها بعد ذلك، وتسويتها، وبناؤها وتعليتها..
وكان الأمر يستوجب جهد جيل من الرجال،
ولكنهما بنياها معا.

لا نعرف كم هو الوقت الذي استغرقه بناء الكعبة،
كما نجهل الوقت الذي استغرقه بناء سفينة نوح،
المهم أن سفينة نوح والكعبة كانتا معا ملاذا للناس ومثوبة وأمنا..
والكعبة هي سفينة نوح الثابتة على الأرض أبدا..
وهي تنتظر الراغبين في النجاة
من هول الطوفان دائما.

لم يحدثنا الله عن زمن بناء الكعبة..
حدثنا عن أمر أخطر وأجدى..
حدثنا عن تجرد نفسية من كان يبنيها..
ودعائه وهو يبنيها:

{ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ
عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129) } (البقرة)

إن أعظم مسلمين على وجه الأرض يومها يدعوان الله أن يتقبل عملهما،
وأن يجعلهما مسلمين له.. يعرفان أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن.
وتبلغ الرحمة بهما أن يسألا الله أن يخرج من ذريتهما أمة مسلمة له سبحانه..
يريدان أن يزيد عدد العابدين الموجودين والطائفين والركع السجود.
إن دعوة إبراهيم وإسماعيل تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن..
إنه يبني لله بيته، ومع هذا يشغله أمر العقيدة..
ذلك إيحاء بأن البيت رمز العقيدة. ثم يدعوان الله أن يريهم أسلوب العبادة الذي يرضاه،
وأن يتوب عليهم فهو التواب الرحيم.
بعدها يتجاوز اهتمامها هذا الزمن الذي يعيشان فيه..
يجاوزانه ويدعوان الله أن يبث رسولا لهؤلاء البشر. وتحققت هذه الدعوة الأخيرة..
حين بعث محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم..
تحققت بعد أزمنة وأزمنة.

انتهى بناء البيت،
وأراد إبراهيم حجرا مميزا، يكون علامة خاصة يبدأ منها الطواف حول الكعبة..
أمر إبراهيم إسماعيل أن يأتيه بحجر مميز يختلف
عن لون حجارة الكعبة.

سار إسماعيل ملبيا أمر والده.. حين عاد،
كان إبراهيم قد وضع الحجر الأسود في مكانه..
فسأله إسماعيل: من الذي أحضره إليك يا أبت؟
فأجاب إبراهيم: أحضره جبريل عليه السلام.

انتهى بناء الكعبة.. وبدأ طواف الموحدين والمسلمين حولها..
ووقف إبراهيم يدعو ربه نفس دعائه من قبل..
أن يجعل (أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي) إلى المكان..
انظر إلى التعبير.. إن الهوى يصور انحدارا لا يقاوم نحو شيء..
وقمة ذلك هوى الكعبة. من هذه الدعوة ولد الهوى
العميق في نفوس المسلمين، رغبة في زيارة البيت الحرام.

وصار كل من يزور المسجد الحرام ويعود إلى بلده.
. يحس أنه يزداد عطشا كلما ازداد ريا منه، ويعمق حنينه إليه كلما بعد منه،
وتجيء أوقات الحج في كل عام..
فينشب الهوى الغامض أظافره في القلب نزوعا إلى رؤية البيت،
وعطشا إلى بئر زمزم.

قال تعالى حين جادل المجادلون في إبراهيم وإسماعيل.

{ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)} (آل عمران)

عليه الصلاة والسلام.. استجاب الله دعاءه.. وكان إبراهيم أول من سمانا المسلمين.

الرد
شكر من طرف :
#17
(( إسحاق عليه السلام ))

نبذة:

هو ولد سيدنا إبراهيم من زوجته سارة،
وقد كانت البشارة بمولده من الملائكة لإبراهيم وسارة لما مروا بهم مجتازين
ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ليدمروها عليهم
لكفرهم وفجورهم، ذكره الله في القرآن بأنه "غلام عليم
" جعله الله نبيا يهدي الناس إلى فعل الخيرات،
جاء من نسله سيدنا يعقوب.


سيرته:

لا يذكر القرآن الكريم غير ومضات سريعة عن
قصة إسحاق..
كان ميلاده حدثا خارقا،
بشرت به الملائكة، وورد في البشرى اسم ابنه يعقوب..
وقد جاء ميلاده بعد سنوات من ولادة أخيه إسماعيل..
ولقد قر قلب سارة بمولد إسحق ومولد ابنه يعقوب،
عليهما الصلاة والسلام..
غير أننا لا نعرف كيف كانت حياة إسحق،
ولا نعرف بماذا أجابه قومه.. كل ما نعرفه أن الله
أثنى عليه كنبي من الصالحين.
الرد
شكر من طرف :
#18
(( يعقوب عليه السلام ))


نبذة:

ابن إسحاق يقال له "إسرائيل" وتعني عبد الله، كان نبيا لقومه،
وكان تقيا وبشرت به الملائكة جده إبراهيم وزوجته
سارة عليهما السلام وهو والد يوسف.

سيرته:

هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.. اسمه إسرائيل..
كان نبيا إلى قومه.. ذكر الله تعالى ثلاث أجزاء من قصته..
بشارة ميلاده.. وقد بشر الملائكة به إبراهيم جده..
وسارة جدته.. أيضا ذكر الله تعالى وصيته عند وفاته..
وسيذكره الله فيما بعد -بغير إشارة لاسمه-
في قصة يوسف.


نعرف مقدار تقواه من هذه الإشارة السريعة إلى وفاته..
نعلم أن الموت كارثة تدهم الإنسان، فلا يذكر غير همه ومصيبته..
غير أن يعقوب لا ينسى وهو يموت أن يدعو إلى ربه..
قال تعالى في سورة (البقرة):

{ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ
مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
(133) } (البقرة)

إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في ساعة الموت ولحظات الاحتضار،
مشهد عظيم الدلالة.. نحن أمام ميت يحتضر.. ما القضية التي
تشغل باله في ساعة الاحتضار..؟
ما الأفكار التي تعبر ذهنه الذي يتهيأ للانزلاق مع سكرات الموت..؟
ما الأمر الخطير الذي يريد أن يطمئن عليه قبل موته..؟
ما التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه وأحفاده..؟
ما الشيء الذي يريد أن يطمئن -قبل موته-
على سلامة وصوله للناس.. كل الناس..؟

ستجد الجواب عن هذه الأسئلة كلها في سؤاله (مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي) .
هذا ما يشغله ويؤرقه ويحرص عليه في سكرات الموت..
قضية الإيمان بالله. هي القضية الأولى والوحيدة،
وهي الميراث الحقيقي الذي لا ينخره السوس
ولا يفسده.. وهي الذخر والملاذ.

قال أبناء إسرائيل: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا،
ونحن له مسلمون.. والنص قاطع في أنهم بعثوا على الإسلام..
إن خرجوا عنه، خرجوا من رحمة الله.. وإن ظلوا فيه،
أدركتهم الرحمة.

مات يعقوب وهو يسأل أبناءه عن الإسلام، ويطمئن على عقيدتهم..
وقبل موته، ابتلي بلاء شديدا في ابنه يوسف.

سترد معنا مشاهد من قصة يعقوب عليه السلام
عند ذكرنا لقصة ابنه النبي الكريم
يوسف عليه السلام.

الرد
شكر من طرف :
#19
(( يوسف عليه السلام الجزء الأول ))


قصةيوسف عليه السلام طويلة فإن شاء الله راح أقسمها إلى ثلاث أجزاء في كل يوم جزء نفس قصة إيراهيم


نبذة:

ولد سيدنا يوسف وكان له 11 أخا وكان أبوه يحبه كثيرا وفي ذات ليلة رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين، فقص على والده ما رأى فقال له ألا يقصها على إخوته، ولكن الشيطان وسوس لإخوته فاتفقوا على أن يلقوه في غيابات الجب وادعوا أن الذئب أكله، ثم مر به ناس من البدو فأخذوه وباعوه بثمن بخس واشتراه عزيز مصر وطلب من زوجته أن ترعاه، ولكنها أخذت تراوده عن نفسه فأبى فكادت له ودخل السجن، ثم أظهر الله براءته وخرج من السجن ، واستعمله الملك على شئون الغذاء التي أحسن إدارتها في سنوات القحط، ثم اجتمع شمله مع إخوته ووالديه وخروا له سجدا وتحققت رؤياه.


سيرته:

قبل أن نبدأ بقصة يوسف عليه السلام، نود الإشارة لعدة أمور. أولها اختلاف طريقة رواية قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم عن بقية قصص الأنبياء، فجاءت قصص الأنبياء في عدة سور، بينما جاءت قصة يوسف كاملة في سورة واحدة. قال تعالى في سورة (يوسف):

{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)}
(يوسف)

واختلف العلماء لم سميت هذه القصة أحسن القصص؟ قيل إنها تنفرد من بين قصص القرآن باحتوائها على عالم كامل من العبر والحكم.. وقيل لأن يوسف تجاوز عن إخوته وصبر عليهم وعفا عنهم.. وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين، والعفة والغواية، وسير الملوك والممالك، والرجال والنساء، وحيل النساء ومكرهن، وفيها ذكر التوحيد والفقه، وتعبير الرؤيا وتفسيرها، فهي سورة غنية بالمشاهد والانفعالات.. وقيل: إنها سميت أحسن القصص لأن مآل من كانوا فيها جميعا كان إلى السعادة.

ومع تقديرنا لهذه الأسباب كلها.. نعتقد أن ثمة سببا مهما يميز هذه القصة.. إنها تمضي في خط واحد منذ البداية إلى النهاية.. يلتحم مضمونها وشكلها، ويفضي بك لإحساس عميق بقهر الله وغلبته ونفاذ أحكامه رغم وقوف البشر ضدها. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) هذا ما تثبته قصة يوسف بشكل حاسم، لا ينفي حسمه أنه تم بنعومة وإعجاز.

لنمضي الآن بقصة يوسف -عليه السلام- ولنقسمها لعدد من الفصول والمشاهد ليسهل علينا تتبع الأحداث.

المشهد الأول من فصل طفوله يوسف:

ذهب يوسف الصبي الصغير لأبيه، وحكى له عن رؤيا رآها. أخبره بأنه رأى في المنام أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له. استمع الأب إلى رؤيا ابنه وحذره أن يحكيها لأخوته. فلقد أدرك يعقوب -عليه السلام- بحدسه وبصيرته أن وراء هذه الرؤية شأنا عظيما لهذا الغلام. لذلك نصحه بأن لا يقص رؤياه على إخوته خشية أن يستشعورا ما وراءها لأخيهم الصغير -غير الشقيق، حيث تزوج يعقوب من امرأة ثانية أنجبت له يوسف وشقيقه- فيجد الشيطان من هذا ثغرة في نفوسهم، فتمتلئ نفوسهم بالحقد، فيدبروا له أمرا يسوؤه. استجاب يوسف لتحذير أبيه.. لم يحدث أخوته بما رأى، وأغلب الظن أنهم كانوا يكرهونه إلى الحد الذي يصعب فيه أن يطمئن إليهم ويحكي لهم دخائله الخاصة وأحلامه.

المشهد الثاني:

اجتمع أخوة يوسف يتحدثون في أمره. (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) أي نحن مجموعة قوية تدفع وتنفع، فأبونا مخطئ في تفضيل هذين الصبيين على مجموعة من الرجال النافعين! فاقترح أحدهم حلا للموضوع: (اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا) . إنه الحقد وتدخل الشيطان الذي ضخم حب أبيهم ليوسف وإيثاره عليهم حتى جعله يوازي القتل. أكبر جرائم الأرض قاطبة بعد الشرك بالله. وطرحه في أرض بعيدة نائية مرادف للقتل، لأنه سيموت هناك لا محاله. ولماذا هذا كله؟! حتى لا يراه أبوه فينساه فيوجه حبه كله لهم. ومن ثم يتوبون عن جريمتهم (وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) .

قال قائل منهم -حرك الله أعماقه بشفقة خفية، أو أثار الله في أعماقه رعبا من القتل: ما الداعي لقتله؟ إن كنتم تريدون الخلاص منه، فلنلقه في بئر تمر عليها القوافل.. ستلتقطه قافلة وترحل به بعيدا.. سيختفي عن وجه أبيه.. ويتحقق غرضنا من إبعاده.

انهزمت فكرة القتل، واختيرت فكرة النفي والإبعاد. نفهم من هذا أن الأخوة، رغم شرهم وحسدهم، كان في قلوبهم، أو في قلوب بعضهم، بعض خير لم يمت بعد.


المشهد الثالث:

توجه الأبناء لأبيهم يطلبون منه السماح ليوسف بمرافقتهم. دار الحوار بينهم وبين أبيهم بنعومة وعتاب خفي، وإثارة للمشاعر.. مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ..؟ أيمكن أن يكون يوسف أخانا، وأنت تخاف عليه من بيننا ولا تستأمننا عليه، ونحن نحبه وننصح له ونرعاه؟ لماذا لا ترسله معنا يرتع ويلعب؟

وردا على العتاب الاستنكاري الأول جعل يعقوب عليه السلام ينفي -بطريقة غير مباشرة- أنه لا يأمنهم عليه، ويعلل احتجازه معه بقلة صبره على فراقه وخوفه عليه من الذئاب: (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) .

ففندوا فكرة الذئب الذي يخاف أبوه أن يأكله.. نحن عشرة من الرجال.. فهل نغفل عنه ونحن كثرة؟ نكون خاسرين غير أهل للرجولة لو وقع ذلك.. لن يأكله الذئب ولا داعي للخوف عليه.

وافق الأب تحت ضغط أبنائه.. ليتحقق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي مشيئته!

المشهد الرابع:

خرج الأخوة ومعهم يوسف، وأخذوه للصحراء. اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور القوافل وحملوه وهموا بإلقائه في البئر.. وأوحى الله إلى يوسف أنه ناج فلا يخاف.. وأنه سيلقاهم بعد يومهم هذا وينبئهم بما فعلوه.

المشهد الخامس:

عند العشاء جاء الأبناء باكين ليحكوا لأبيهم قصة الذئب المزعومة. أخبروه بأنهم ذهبوا يستبقون، فجاء ذئب على غفلة، وأكل يوسف. لقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذبة، فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها من المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم! ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون، يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى. كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب دليلا على التسرع، وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس، وهم ينفونها. فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم أبوهم منه أمس! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان ونسوا في انفعالهم أن يمزقوا قميص يوسف.. جاءوا بالقميص كما هو سليما، ولكن ملطخا بالدم.. وانتهى كلامهم بدليل قوي على كذبهم حين قالوا: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) أي وما أنت بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله.

أدرك يعقوب من دلائل الحال ومن نداء قلبه ومن الأكذوبة الواضحة، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما، وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛ وأنه سيصبر متحملا متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعينا بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب: ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)

المشهد الأخير من الفصل الأول من حياة سيدنا يوسف عليه السلام:

أثناء وجود يوسف بالبئر، مرت عليه قافلة.. قافلة في طريقها إلى مصر.. قافلة كبيرة.. سارت طويلا حتى سميت سيارة.. توقفوا للتزود بالماء.. وأرسلوا أحدهم للبئر فأدلى الدلو فيه.. تعلق يوسف به.. ظن من دلاه أنه امتلأ بالماء فسحبه.. ففرح بما رأى.. رأى غلاما متعلقا بالدلو.. فسرى على يوسف حكم الأشياء المفقودة التي يلتقطها أحد.. يصير عبدا لمن التقطه.. هكذا كان قانون ذلك الزمان البعيد.

فرح به من وجده في البداية، ثم زهد فيه حين فكر في همه ومسئوليته، وزهد فيه لأنه وجده صبيا صغيرا.. وعزم على التخلص منه لدى وصوله إلى مصر.. ولم يكد يصل إلى مصر حتى باعه في سوق الرقيق بثمن زهيد، دراهم معدودة. ومن هناك اشتراه رجل تبدو عليه الأهمية.


انتهت المحنة الأولى في حياة هذا النبي الكريم، لبتدأ المحنة الثانية، والفصل الثاني من حياته.

ثم يكشف الله تعالى مضمون القصة البعيد في بدايتها (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) . لقد انطبقت جدران العبودية على يوسف. ألقي في البئر، أهين، حرم من أبيه، التقط من البئر، صار عبدا يباع في الأسواق، اشتراه رجل من مصر، صار مملوكا لهذا الرجل.. انطبقت المأساة، وصار يوسف بلا حول ولا قوة.. هكذا يظن أي إنسان.. غير أن الحقيقة شيء يختلف عن الظن تماما.

ما نتصور نحن أنه مأساة ومحنة وفتنة.. كان هو أول سلم يصعده يوسف في طريقه إلى مجده.. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) .. ينفذ تدبيره رغم تدبير الآخرين. ينفذ من خلاله تدبير الآخرين فيفسده ويتحقق وعد الله، وقد وعد الله يوسف بالنبوة.

وها هو ذا يلقي محبته على صاحبه الذي اشتراه.. وها هو ذا السيد يقول لزوجته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. وليس هذا السيد رجلا هين الشأن.. إنما هو رجل مهم.. رجل من الطبقة الحاكمة في مصر.. سنعلم بعد قليل أنه وزير من وزراء الملك. وزير خطير سماه القرآن "العزيز"، وكان قدماء المصريين يطلقون الصفات كأسماء على الوزراء. فهذا العزيز.. وهذا العادل.. وهذا القوي.. إلى آخره.. وأرجح الآراء أن العزيز هو رئيس وزراء مصر.

وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. سيتربى كصبي في بيت رجل يحكم. وسيعلمه الله من تأويل الأحاديث والرؤى.. وسيحتاج إليه الملك في مصر يوما. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) . تم هذا كله من خلال فتنة قاسية تعرض لها يوسف.

ثم يبين لنا المولى عز وجل كرمه على يوسف فيقول:

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)} (يوسف)

كان يوسف أجمل رجل في عصره.. وكان نقاء أعماقه وصفاء سريرته يضفيان على وجهه مزيدا من الجمال. وأوتي صحة الحكم على الأمور.. وأوتي علما بالحياة وأحوالها. وأوتي أسلوبا في الحوار يخضع قلب من يستمع إليه.. وأوتي نبلا وعفة، جعلاه شخصية إنسانية لا تقاوم.

وأدرك سيده أن الله قد أكرمه بإرسال يوسف إليه.. اكتشف أن يوسف أكثر من رأى في حياته أمانة واستقامة وشهامة وكرما.. وجعله سيده مسئولا عن بيته وأكرمه وعامله كابنه.
الرد
شكر من طرف :
#20
ويبدأ المشهد الأول من الفصل الثاني في حياته:
في هذا المشهد تبدأ محنة يوسف الثانية، وهي أشد وأعمق من المحنة الأولى. جاءته وقد أوتي صحة الحكم وأوتي العلم -رحمة من الله- ليواجهها وينجو منها جزاء إحسانه الذي سجله الله له في قرآنه. يذكر الله تعالى هذه المحنة في كتابه الكريم:

{ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) } (يوسف)

لا يذكر السياق القرآني شيئا عن سنها وسنه، فلننظر في ذلك من باب التقدير. لقد أحضر يوسف صبيا من البئر، كانت هي زوجة في الثلاثة والعشرين مثلا، وكان هو في الثانية عشرا. بعد ثلاثة عشر عاما صارت هي في السادسة والثلاثين ووصل عمره إلى الخامسة والعشرين. أغلب الظن أن الأمر كذلك. إن تصرف المرأة في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها مكتملة جريئة.

والآن، لنتدبر معنا في كلمات هذه الآيات.

(وَرَاوَدَتْهُ) صراحة (عَن نَّفْسِهِ )، وأغلقت (الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) . لن تفر مني هذه المرة. هذا يعني أنه كانت هناك مرات سابقة فر فيها منها. مرات سابقة لم تكن الدعوة فيها بهذه الصراحة وهذا التعري. فيبدوا أن امرأة العزيز سئمت تجاهل يوسف لتلميحاتها المستمرة وإباءه.. فقررت أن تغير خطتها. خرجت من التلميح إلى التصريح.. أغلقت الأبواب ومزقت أقنعة الحياء وصرحت بحبها وطالبته بنفسه.

ثم يتجاوزز السياق القرآني الحوار الذي دار بين امرأة العزيز ويوسف عليه السلام، ولنا أن نتصور كيف حاولت إغراءه إما بلباسها أو كلماتها أو حركاتها. لكن ما يهمنا هنا هو موقف يوسف -عليه السلام- من هذا الإغواء.

يقف هذا النبي الكريم في وجه سيدته قائلا (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) أعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة من أكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن. ولا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود الله، فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه.

ثم (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) اتفق المفسرون حول همها بالمعصية، واختلفوا حول همه. فمنهم من أخذ بالإسرائيليات وذكر أن يعقوب ظهر له، أو جبريل نزل إليه، لكن التلفيق والاختلاق ظاهر في هذه الزوايات الإسرائيلية. ومن قائل: إنها همت به تقصد المعصية وهم بها يقصد المعصية ولم يفعل، ومن قائل: إنها همت به لتقبله وهم بها ليضربها، ومن قائل: إن هذا الهم كان بينهما قبل الحادث. كان حركة نفسية داخل نفس يوسف في السن التي اجتاز فيها فترة المراهقة. ثم صرف الله عنه. وأفضل تفسير تطمئن إليه نفسي أن هناك تقديما وتأخيرا في الآية.

قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة، فلما أتيت على قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) . قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير. بمعنى ولقد همت به.. ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها. يستقيم هذا التفسير مع عصمة الأنبياء.. كما يستقيم مع روح الآيات التي تلحقه مباشرة (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وهذه الآية التي تثبت أن يوسف من عباد الله المخلصين، تقطع في نفس الوقت بنجاته من سلطان الشيطان. قال تعالى لإبليس يوم الخلق (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) وما دام يوسف من عباده المخلصين، فقد وضح الأمر بالنسبة إليه. لا يعني هذا أن يوسف كان يخلو من مشاعر الرجولة، ولا يعني هذا أنه كان في نقاء الملائكة وعدم احتفالهم بالحس. إنما يعني أنه تعرض لإغراء طويل قاومه فلم تمل نفسه يوما، ثم أسكنها تقواها كونه مطلعا على برهان ربه، عارفا أنه يوسف بن يعقوب النبي، ابن إسحق النبي، ابن إبراهيم جد الأنبياء وخليل الرحمن.

يبدو أن يوسف -عليه السلام- آثر الانصراف متجها إلى الباب حتى لا يتطور الأمر أكثر. لكن امرأة العزيز لحقت به لتمسكه، تدفهعا الشهوة لذلك. فأمسكت قميصه من الخلف، فتمزق في يدها. وهنا تقطع المفاجأة. فتح الباب زوجها -العزيز. وهنا تتبدى المرأة المكتملة، فتجد الجواب حاضرا على السؤال البديهي الذي يطرح الموقف. فتقول متهمة الفتى: (قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )

واقترحت هذه المراة -العاشقة- سريعا العقاب -المأمون- الواجب تنفيذه على يوسف، خشية أن يفتك به العزيز من شدة غضبه. بيّنت للعزيز أن أفضل عقاب له هو السجن. بعد هذا الاتهام الباطل والحكم السريع جهر يوسف بالحقيقة ليدافع عن نفسه: ( قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي )

تجاوز السياق القرآني رد الزوج، لكنه بين كيفية تبرأة يوسف -عليه السلام- من هذه التهمة الباطلة:

{ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) } (يوسف)

لا نعلم إن كان الشاهد مرافقا للزوج منذ البداية، أم أن العزيز استدعاه بعد الحادثة ليأخذ برأيه.. كما أشارت بعض الروايات أن هذا الشاهد رجل كبير، بينما أخبرت روايات أخرى أنه طفل رضيع. كل هذا جائز. وهو لا يغير من الأمر شيئا. ما يذكره القرآن أن الشاهد أمرهم بالنظر للقميص، فإن كان ممزقا من الأمام فذلك من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة وهو كاذب. وإن كان قميصه ممزقا من الخلف فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي له حتى الباب، فهي كاذبة وهو صادق.

{ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) } (يوسف)

فتأكد الزوج من خيانة زوجته عندما رأى قميص يوسف ممزق من الخلف. لكن الدم لم يثر في عروقه ولم يصرخ ولم يغضب. فرضت عليه قيم الطبقة الراقية التي وقع فيها الحادث أن يواجه الموقف بلباقة وتلطف.. نسب ما فعلته إلى كيد النساء عموما. وصرح بأن كيد النساء عموم عظيم. وهكذا سيق الأمر كما لو كان ثناء يساق. ولا نحسب أنه يسوء المرأة أن يقال لها: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) . فهو دلالة على أنها أنثى كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على الكيد. بعدها التفت الزوج إلى يوسف قائلا له: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا) أهمل هذا الموضوع ولا تعره اهتماما ولا تتحدث به. هذا هو المهم.. المحافظة على الظواهر.. ثم يوجه عظة -مختصرة- للمرأة التي ضبطت متلبسة بمراودة فتاها عن نفسها وتمزيق قميصه: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) .

انتهى الحادث الأول.. لكن الفتنة لم تنته.. فلم يفصل سيد البيت بين المرأة وفتاها.. كل ما طلبه هو إغلاق الحديث في هذا الموضوع. غير أن هذا الموضوع بالذات. وهذا الأمر يصعب تحقيقه في قصر يمتلئ بالخدم والخادمات والمستشارين والوصيفات.

الرد
شكر من طرف :


التنقل السريع :


يقوم بقرائة الموضوع: بالاضافة الى ( 3 ) ضيف كريم